[ترجمة من الإنكليزية]
بدا لبعض الوقت بعد تشرين الأول/أكتوبر 2025 أن الجمود الدبلوماسي الطويل بشأن الصحراء الغربية قد انكسر. يدَّعي المغرب الحق بهذه المنطقة الصحراوية، بينما تسعى جبهة البوليساريو المتمركزة في الجزائر إلى جعلهامقراً لدولة مستقلة للشعب الصحراوي. وعزز قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي في تشرين الأول/أكتوبر 2025 الدعم الدولي لمقترح مغربي للحكم الذاتي، مع المحافظة على ما يكفي من الغموض للسماح باحتمال التوصل إلى نتائج أخرى. استغلت واشنطن، التي تعمل بالتعاون مع المبعوث الأممي إلى الصحراء الغربية، هذه الفرصة المحدودة لإعادة المغرب والبوليساريو إلى محادثات مباشرة للمرة الأولى منذ عام 2019. وانضمت إليهما الجزائر وموريتانيا، الدولتان المجاورتان للصحراء الغربية. وقد أتاحت ثلاث جولات من المحادثات في واشنطن ومدريد للأطراف بحث الجوانب العملية لتسوية محتملة، دون إرغام المغرب أو البوليساريو على التخلي عن مواقفهما بشأن سيادة الصحراء الغربية واستقلالها وتقرير مصيرها.
لكن هذه الفرصة باتت الآن مهددة بالانغلاق. فقد حاولت الولايات المتحدة والأمم المتحدة الانتقال بسرعة مفرطة من المناقشات الاستكشافية إلى مفاوضات تتمحور حول مقترح المغرب للحكم الذاتي، فواجهتا مقاومة شديدة من البوليساريو، التي تصر على إجراء استفتاء بشأن تقرير المصير. في غضون ذلك، عكرت سلسلة من الحوادث الدبلوماسية والعسكرية صفو أجواءً كانت بنّاءة في السابق. لقد ردّت واشنطن بتكثيف الضغوط على الجبهة، والانفتاح على محاوِرين صحراويين بديلين، والنظر في إدخال تغييرات على الإطار الدبلوماسي. ويزيد الغموض المحيط بالموقف الأميركي حيال مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) الوضع تعقيداً.
لا شك في أن المهمة الدبلوماسية الأميركية صعبة؛ إذ يتعيّن على الولايات المتحدة إظهار الحزم والقدرة على التحلي بالصبر معاً إذا أرادت دفع الأطراف نحو إحراز تقدم، لكن التوازن بين الأمرين مختلٌ في الوقت الراهن. وليس واضحاً سبب إنشغال الولايات المتحدة الشديد بهذه القضية ، لكن إذا كان هدفها تحقيق انتصار دبلوماسي سريع، فهي تنظر إلى الملف الخطأ. بل إن هناك خطراً كبيراً من أن تؤدي مواصلة الإدارة الأميركية محاولاتها لفرض تسوية سريعة إلى تعميق انعدام الثقة الذي أعاق لوقت طويل تحقيق تقدم في المفاوضات. وبدلاً من البحث عن طرق مختصرة، ينبغي للولايات المتحدة والأمم المتحدة العمل على إعادة بناء الثقة بين الأطراف، والحفاظ على إطار تفاوضي مفتوح، والقيام تدريجياً بتهيئة الظروف السياسية التي قد تجعل التوصل إلى تسويات جوهرية ممكناً في نهاية المطاف.
إفساح المجال أمام المحادثات
يعود نزاع الصحراء الغربية إلى عام 1975، حين انسحبت إسبانيا من الإقليم وتحرك المغرب وموريتانيا لتقاسمه بينهما. وأطلقت جبهة البوليساريو، التي تحظى بدعم الجزائر بشكل رئيسي، كفاحاً مسلحاً من أجل الاستقلال، وفرّ آلاف الصحراويين إلى الجزائر. نص اتفاقٌ لوقف إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة عام 1991، على إجراء استفتاء لتقرير المصير، لكن الخلافات بشأن من يحق لهم التصويت حالت دون إجرائه. بدلاً من ذلك، طرح المغرب خطة تقضي بنقل الصلاحيات لحكومة حكم ذاتي في الصحراء الغربية تحت السيادة المغربية، فيما تواصل البوليساريو المطالبة بمسار يؤدي إلى الاستقلال. انهار وقف إطلاق النار عام 2020، وإن ظل القتال محدوداً. وفي العام نفسه، خلال الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب، اعترفت الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية مقابل تطبيع المغرب علاقاته مع إسرائيل. أما خلال ولاية ترامب الثانية، فقد أيدت الإدارة الأميركية بقوة خطة الرباط للحكم الذاتي.
في تشرين الأول/أكتوبر 2025، وافق مجلس الأمن الدولي على تمديد ولاية المينورسو عاماً إضافياً، مستخدماً صياغة جديدة تدعم بصورة أوضح خطة المغرب للحكم الذاتي. وبصفتها صاحبة القلم في إعداد مشروع القرار، كانت الولايات المتحدة قد طرحت مسودة أولى وصفت الحكم الذاتي بأنه "الأساس" للمفاوضات المقبلة و"الحل الأكثر قابلية للتطبيق". لكن المشاورات بين أعضاء المجلس أدت إلى تخفيف حدة نص المسودة. وجاء النص النهائي بصياغة ملتبسة وغير سلسة، مفادها أن الحكم الذاتي سيُتخذ "أساساً" للمفاوضات، وأنه يمثل "واحداً من أكثر الحلول قابلية للتطبيق". وهكذا منح المجلس خطة الحكم الذاتي دعماً قوياً، مع إبقاء الباب موارباً أمام مناقشة مقترحات أخرى.
ومع أن البوليساريو والجزائر قالتا إن الصيغة النهائية للقرار أفضل من المسودة الأولى، فإنهما رفضتاها. وجددت البوليساريو مطالبتها بإجراء استفتاء لتقرير المصير من أجل تسوية النزاع، فيما اتخذت الجزائر، التي كانت آنذاك عضواً منتخباً في مجلس الأمن، خطوة نادرة للغاية، وإن لم تكن مستغربة سياسياً، تمثلت في الامتناع عن التصويت على القرار تعبيراً عن اعتراضها على الإشارة إلى "السيادة المغربية" في إحدى فقرات ديباجته.
ومع ذلك، استغل مسعد بولس، كبير المستشارين الأميركيين للشؤون العربية والأفريقية، ما اتسم به القرار من غموض للضغط على الجزائر والبوليساريو كي تعودا إلى المفاوضات. ففي الأسابيع التي أعقبت تصويت المجلس، أوضح بولس للطرفين أنه على الرغم من دعم واشنطن الواضح للحكم الذاتي، فإن قرار الأمم المتحدة لا يستبعد حلاً آخر إذا اتفقت عليه أطراف النزاع. وفي ذلك الوقت، قال مسؤول في البوليساريو لمجموعة الأزمات إن "لغة بولس أكثر حيادية من قرار مجلس الأمن الدولي"، في تعبير عن تنامي الثقة بدور واشنطن.
بين كانون الثاني/ يناير وشباط/فبراير 2026، اجتمعت وفود على المستوى الوزاري من الجزائر، وموريتانيا، والمغرب والبوليساريو مرتين في واشنطن ومرة في مدريد، في أول لقاءات مباشرة بين أطراف النزاع منذ سبع سنوات. وترأس الاجتماعات كل من بولس، والسفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايكل والتز، والمبعوث الأممي ستافان دي ميستورا.
اختلفت هذه الجولات عن المحاولات السابقة من ثلاث نواحٍ على الأقل. أولاً، شاركت واشنطن مباشرة في المناقشات، في تحوّل عن دورها التقليدي المتمثل في دعم المبعوث الأممي من الخارج. فقد تولى مسؤولون أميركيون دفع الحوار قدماً، مع إتاحة المجال لدي ميستورا للمساهمة في ذلك أيضاً. ثانياً، شاركت الجزائر وموريتانيا في المحادثات، وإن بصفة "مراقبين" ظاهرياً فحسب. فمنذ سنوات، تطالب الرباط بإشراك الدولتين في المفاوضات، بحجة أن البوليساريو تعمل بوصفها وكيلاً للجزائر، وأن أي اتفاق قابل للاستمرار ينبغي أن يكون جزءاً من تسوية شاملة مع الدول المجاورة للصحراء الغربية. في المقابل، تقول الجزائر وموريتانيا إنهما مجرد دولتين جارتين معنيتين بتسوية النزاع، وهو ما يفسر إصرارهما على المشاركة بصفة "مراقب". ثالثاً، وسّع المغرب، قبيل المحادثات واستجابةً لمطلب كررته الولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيون على مدى سنوات، مقترح الحكم الذاتي الذي طرحه عام 2007، والمؤلف من أربع صفحات، وحوّله إلى وثيقة شاملة من أربعين صفحة لتوجيه المفاوضات.
أصر الرئيسان المشاركان على سرية المحادثات لحمايتها من الضغوط السياسية الداخلية. وعلى الرغم من تسرب أنباء عن إجراء محادثات بين الأطراف الأربعة، ظل مضمون الجولات الثلاث سرياً إلى حد كبير، بما في ذلك خطة الحكم الذاتي المغربية الموسعة التي لم يُكشف عنها بعد. لكن مصادر دبلوماسية أبلغت مجموعة الأزمات بأن المحادثات سارت على ما يبدو بصورة جيدة إجمالاً، وتناولت، ضمن أمور أخرى، تنظيم الانتخابات وإعادة دمج اللاجئين الصحراويين. وفي حديث مع مجموعة الأزمات، حرص مسؤول في البوليساريو على التشديد على أن هذه اللقاءات كانت "نقاشاً، لا مفاوضات". ويبدو أن الصيغة المفتوحة للمحادثات ناسبت الطرفين، إذ أتاحت لهما استئناف التواصل، وإن بحذر شديد.
من التقدم إلى الجمود
لكن المحادثات وصلت لاحقاً إلى طريق مسدود. فبعد الاجتماعات الثلاثة، طلبت الولايات المتحدة والأمم المتحدة مراراً من البوليساريو تقديم ملاحظاتها على خطة الرباط، بهدف إطلاق نقاش أكثر جدية بشأن كيفية إنهاء النزاع. غير أن الجبهة ترددت وامتنعت عن ذلك؛ وأوضح مسؤول فيها لمجموعة الأزمات أن الجبهة "لم تقبل خطة الحكم الذاتي المغربية أساساً للمفاوضات، ومجلس الأمن الدولي لا يلزمنا بقبولها". ولم يكن هذا الموقف مستغرباً، إذ إن المحادثات لم تكتسب زخماً إلا بفضل الغموض الذي تمكنت الولايات المتحدة من إضفائه على هذه المسألة الأساسية. ومع ذلك، انتاب الدبلوماسيين الأميركيين والأمميين شعور بالإحباط والحيرة حيال موقف الجبهة. وأشار مسؤول أميركي إلى أن "الجزائر أبدت مرونة أكبر بكثير من البوليساريو"، لأنها شجعت الجبهة على الرد على خطة المغرب للحكم الذاتي بدلاً من رفض المقترح رفضاً قاطعاً.
وبين أيار/مايو وحزيران/يونيو، تدهورت العلاقات بين الأطراف بسرعة، وكذلك العلاقات بين الولايات المتحدة والبوليساريو. ففي 5 أيار/مايو، وبعد فترة طويلة من الهدوء، أطلقت الجبهة صواريخ على مدينة السمارة في الجزء من الصحراء الغربية الخاضع للسيطرة المغربية، ما أدى إلى إصابة مدني وإلحاق أضرار بعدد من المباني. أدانت الولايات المتحدة وفرنسا وعدة دول أخرى، إلى جانب الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، الهجوم فوراً، واعتبرته محاولة لتقويض المفاوضات. وفي اليوم التالي، زار السفير الأميركي لدى المغرب، ديوك بوكان الثالث، مدينة الداخلة الواقعة في الجزء الخاضع للسيطرة المغربية من الصحراء الغربية، مجدداً تأكيد إدارة ترامب اعترافها بسيادة الرباط ومنتقداً البوليساريو. وفي 7 أيار/مايو، أصدرت الجبهة بياناً أدانت فيه زيارة بوكان، وبررت الهجوم على السمارة بأنه مقاومة مشروعة للاستعمار.
ازداد الوضع سوءاً بعد أن أخفق تبادل الرسائل بين السفير والتز وقادة البوليساريو في استعادة الثقة المتبادلة. ووفقاً لعدد من الدبلوماسيين الأميركيين والأوروبيين، كتب والتز ليسأل عما إذا كان قادة الجبهة لا يزالون ملتزمين بالتوصل إلى حل تفاوضي بعد هجوم السمارة. وأفادت تقارير بأن البوليساريو ردت برسالة مطولة تناولت تعقيدات النزاع، لكن واشنطن رأت فيها محاولة للمراوغة. وعند تلك النقطة، اتخذ عدد من المسؤولين الفاعلين في الإدارة الأميركية موقفاً معادياً للجبهة.
تصاعدت التوترات أكثر عندما قتلت القوات المغربية، في 7 حزيران/يونيو، لحبيب عبد العزيز، نجل الزعيم السابق للبوليساريو محمد عبد العزيز، والذي كان يُعد مرشحاً محتملاً لقيادة الجبهة مستقبلاً. وأثار مقتله صدمة لدى الصحراويين المؤيدين للاستقلال، الذين اشتكوا من غياب أي إدانة دولية تُذكر، خلافاً للغضب الدولي الذي أعقب هجوم السمارة. ثم بدأ الناشط الصحراوي النعمة الأسفاري، في 8 حزيران/يونيو، إضراباً عن الطعام. وكان الأسفاري قد اعتُقل عام 2010 على خلفية الاحتجاجات في مخيم أكديم إزيك، واستمر إضرابه 47 يوماً، ولم ينتهِ إلا بعد أن وافقت الرباط على نقله إلى سجن أقرب إلى أسرته.
وبحلول أواخر حزيران/يونيو، بدأ الإحباط الأميركي من البوليساريو يظهر بوضوح. ففي 30 حزيران/يونيو، التقى والتز وفداً من حركة صحراويون من أجل السلام، التي تأسست عام 2020 وقدمت نفسها بوصفها بديلاً معتدلاً للبوليساريو، وأبدت استعداداً للتفاوض مع المغرب بشأن الحكم الذاتي. وأشاد والتز بالحركة باعتبارها منظمة ملتزمة "بالسلام والتسوية والحل الدائم"، وقال إن "العالم ينبغي أن يستمع إليها". وتبع ذلك اجتماع آخر بين مسؤول في السفارة الأميركية ووفد من الحركة في 28 تموز/يوليو.
باتخاذ هذه الخطوات، خالفت الولايات المتحدة نهجاً راسخاً يقوم على الاعتراف بالبوليساريو ممثلاً للشعب الصحراوي، حتى وإن كان هناك خلاف بشأن ما إذا كان ينبغي اعتبارها الممثل الوحيد والحصري له. كما أثارت هذه الخطوات شبح احتمال تجاوز الجبهة إذا لم تُبدِ تعاوناً أكبر. وقد ردت الجبهة باستخفاف؛ إذ قال مسؤول في البوليساريو لمجموعة الأزمات إن على المسؤولين الأميركيين "أن يأتوا ويروا على الأرض من يمثل الصحراويين حقاً. البوليساريو منبثقة من الشعب ولا تزال تمثله. أما الجماعات التي يريدون الترويج لها فلا قيمة لها".
وفي تلخيصه للمقاربة الأميركية، قال دبلوماسي غربي لمجموعة الأزمات إن واشنطن ترى أن البوليساريو أمام خيار بين "الطريق الصعب والطريق الأصعب"، أي إن استمرار الحركة في رفض الانخراط في مناقشة خطة المغرب سيعرّضها لمزيد من العواقب السلبية. وفي مؤشر آخر إلى احتمال اتخاذ خطوات أكثر تشدداً، طرح عدد من أعضاء الكونغرس الأميركي، بالتوازي مع المحادثات، مشروعي قانونين يُلزمان وزير الخارجية بتصنيف البوليساريو منظمة إرهابية أجنبية، بسبب صلات مزعومة لها بإيران وحزب الله اللبناني. ومن الصعب تصوّر إقرار هذين المشروعين وتحويلهما إلى قانونين ثم تطبيقهما، لأسباب قانونية وسياسية؛ كما أن الإدارة الأميركية لم تعلن تأييدها لهما. لكن الإدارة قد تكون تعمل مع حلفائها في الكونغرس لتوجيه إشارة إلى ما قد يحدث لاحقاً إذا استمر الجمود.
البحث عن بدائل
في ظل الجمود الدبلوماسي واقتراب انتهاء ولاية المينورسو في نهاية تشرين الأول/أكتوبر، يدرس المسؤولون الأميركيون خيارات أخرى، من بينها استبدال البوليساريو بممثلين صحراويين أكثر مرونة في المحادثات، مثل حركة صحراويون من أجل السلام. وأشار دبلوماسي غربي إلى أن واشنطن قد تستغل تجديد ولاية البعثة لإدراج صياغة جديدة تتيح للحركة وغيرها، مثل المسؤولين الصحراويين المنتخبين المقيمين في المغرب، مكاناً على طاولة المفاوضات. وقد يتحقق ذلك، على سبيل المثال، باستخدام عبارة "الممثلين الصحراويين" بدلاً من "جبهة البوليساريو" عند الإشارة إلى الأطراف المعنية.
ومع ذلك، لا يبدو أن جميع المسؤولين الأميركيين مستعدون للتخلي عن الجبهة أو العدول عن الصيغة الحالية. ففي مقابلة أجرتها معه قناة فرانس 24 في 25 أيلول/سبتمبر، شدد بولس على أن الولايات المتحدة لا تزال تأمل في انخراط البوليساريو في المحادثات، وأشاد بموقف الجزائر، وأكد أن ثمة حاجة إلى مزيد من العمل للتوصل إلى تسوية مقبولة من الطرفين. رحبت وسائل الإعلام المؤيدة للبوليساريو بهذه التصريحات. وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 28 أيلول/سبتمبر، جدد وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف رفض بلاده أي اختصار للطريق نحو الاتفاق، قائلاً: "تحذر الجزائر من أن أي محاولة لتجاوز هذا الإطار المرجعي أو تهميش أصحاب الحق غير القابل للتصرف، أي شعب الصحراء الغربية وممثله الشرعي الوحيد، جبهة البوليساريو، لن تسهم في حل النزاع، بل ستؤدي إلى مزيد من تفاقم التوترات."
في هذه الأثناء، يبذل المغرب جهوداً حثيثة لاستمالة إدارة ترامب، حتى وإن لم يؤيد علناً فكرة توسيع المفاوضات لتشمل جماعات صحراوية أخرى. ففي تموز/يوليو، أعلن الملك محمد السادس أن الطريق الذي يربط تزنيت بالداخلة، ويمتد من المغرب إلى الصحراء الغربية، ستُعاد تسميته "طريق دونالد ج. ترامب السريع"، بوصف ذلك "تعبيراً شخصياً عن بالغ تقديري". وفي 15 أيلول/سبتمبر، اتفق وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ووزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر والسفير الأميركي والتز، خلال اجتماع في نيويورك، على الارتقاء بالعلاقات المغربية الإسرائيلية من خلال تعيين سفيرين والعمل على إبرام مجموعة من الاتفاقات الاقتصادية قبل نهاية العام. وأكدت الدول الثلاث، في بيانها الرسمي، السيادة المغربية على الصحراء الغربية ودعمها خطة الحكم الذاتي.وقال خبير مغربي لمجموعة الأزمات: "إن الاتفاق الثلاثي مع الولايات المتحدة وإسرائيل جزء أساسي من مقاربة المغرب للصحراء الغربية". وأضاف: "إن الارتقاء بالعلاقات الدبلوماسية رسالة موجهة إلى واشنطن، فنحن بحاجة إلى أن تكون الولايات المتحدة إلى جانبنا قبل الاجتماع المقبل لمجلس الأمن". ووفقاً لمصادر مغربية وأوروبية، تأمل الرباط أن يتضمن تجديد ولاية المينورسو، ضمن أمور أخرى، تأييداً أوضح لخطة الحكم الذاتي باعتبارها "الأساس الوحيد" لحل النزاع.
ولا يزال مستقبل المينورسو غير محسوم في هذه المرحلة. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2025، حاولت واشنطن تقليص مدة ولاية البعثة إلى ثلاثة أشهر، أملاً في أن يؤدي انخراط مجلس الأمن بوتيرة أكثر تكراراً إلى زيادة الضغط على الأطراف للتوصل إلى اتفاق، بما يسمح بإنهاء عمل المينورسو تدريجياً، انسجاماً مع توجه الولايات المتحدة إلى خفض الإنفاق على بعثات حفظ السلام. وفي نهاية المطاف، وافقت الولايات المتحدة على تمديد الولاية اثني عشر شهراً، بالتوازي مع إجراء الأمين العام مراجعة استراتيجية للبعثة.
في هذه الأثناء، واستعداداً لطلبات أميركية متوقعة بخفض نفقات حفظ السلام، خضعت المينورسو لتقليصات شملت إلغاء 23 وظيفة مدنية، وخفض ساعات الطيران، وتقليص ميزانيتها بنسبة 11.5 في المئة. وفي جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ في نيسان/أبريل، أشار والتز إلى أن بعثة المينورسو تجاوزت الغرض الذي أُنشئت من أجله، وفقاً لرؤية إدارة ترامب. وأبلغ عدد من الدبلوماسيين الأوروبيين مجموعة الأزمات أنهم يشتبهون في أن واشنطن ستدفع مجدداً، خلال المناقشات المقبلة بشأن تجديد الولاية، نحو خفض كبير في نفقات البعثة أو، وهو الاحتمال الأقل ترجيحاً، إنهاء مهمتها.
لقد تغيرت الولاية السياسية للمينورسو تغيراً جذرياً منذ إنشائها، إذ لم يعد لها في الوقت الراهن سوى دور هامشي في المسار الدبلوماسي. لكن المسؤولين الأوروبيين الذين تحدثوا إلى مجموعة الأزمات يتفقون على أن وجودها لا يزال بالغ الأهمية لتجنب التصعيد. ففي عام 2022، أوضح المغرب أنه سيحتل المنطقة العازلة التابعة للأمم المتحدة إذا انسحبت منها المينورسو. وتفصل هذه المنطقة بين الأراضي التي تسيطر عليها الرباط والحدود الجزائرية والموريتانية. وإذا حدث ذلك، فمن المرجح أن تهاجم البوليساريو المنشآت المغربية انطلاقاً من الجزائر أو موريتانيا، بدلاً من استخدام المنطقة العازلة قاعدةً لشن هجماتها كما تفعل حالياً. وقد تقرر الرباط بدورها ملاحقة وحدات البوليساريو داخل الأراضي الجزائرية أو الموريتانية، ما قد يجر الدولتين المجاورتين إلى النزاع.
إعادة بناء الثقة بين الأطراف
مع اقتراب الموعد النهائي في أكتوبر/تشرين الأول لتجديد ولاية المينورسو، قد يُغري ذلك المسؤولين الأميركيين اللجوء إلى ليّ ذراع البوليساريو لقبول خطة المغرب للحكم الذاتي، أو استبدال الجبهة بجهة بديلة أكثر استعداداً للتعاون. وربما يأملون أن ترضخ هذه المنظمة الصغيرة في نهاية المطاف لضغوط واشنطن، خشية العواقب المترتبة على استمرار تعنّتها، والتي قد تتراوح بين تهميشها وتصنيفها منظمة إرهابية أجنبية، وما يستتبع ذلك من عقوبات قاسية. وبالنسبة إلى إدارة حريصة على إبرام اتفاقات سريعة لإنهاء الحروب، قد يبدو إنهاء نزاع الصحراء الغربية هدفاً سهل المنال.
لكن اتّباع هذا النهج ينطوي على مخاطر كبيرة. فمنذ انهيار خطة الاستفتاء التي نظمتها الأمم المتحدة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ولا سيما منذ استئناف الأعمال العدائية عام 2020، تراجعت الثقة بين المغرب والبوليساريو. وهذه نتيجة طبيعية لاستمرار النزاع خمسة عقود، وتراكم المبادرات الدبلوماسية الفاشلة، وتضارب الروايات القانونية والتاريخية، وتكرار المواجهات العسكرية وحالات الجمود السياسي. ولا يزال الطرفان يقاربان المفاوضات انطلاقاً من منطلقات متباينة جوهرياً: فالمغرب يرى أن الحكم الذاتي تحت سيادته هو النتيجة النهائية الوحيدة القابلة للتطبيق، في حين تصر البوليساريو على مسار يُبقي خيار الاستقلال قائماً. إضافة إلى ذلك، أصبح النزاع جزءاً من خلاف إقليمي منذ القطيعة الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب عام 2021، الأمر الذي زاد جهود تسويته تعقيداً.
من غير المرجح أن يؤدي الضغط الأميركي وحده إلى اختراق جوهري، ولا سيما من دون اتخاذ تدابير متزامنة لبناء الثقة. فالبوليساريو تنظر إلى تقرير المصير، من الناحية العملية، بوصفه مسألة وجودية، ما يجعلها أميل إلى التشدد في موقفها منها إلى تقديم تنازلات تحت الإكراه. وفي أي مواجهة من هذا القبيل، سيتحمل اللاجئون الصحراويون الأكثر هشاشة قسطاً كبيراً من التكلفة. كما ستزداد مخاطر تصاعد العنف. ولكي يتمكن قادة الطرفين من تقديم تنازلات صعبة، ولكي يتقبلها الرأي العام، لا بد من اتخاذ بعض الخطوات التمهيدية على الأقل. وإلا فسوف ينظر الطرفان إلى المفاوضات باعتبارها لعبة صفرية، يُعد فيها أي مكسب يحققه أحدهما خسارة للآخر، الأمر الذي سيقلص فرص التوصل إلى تسوية. مسؤول في البوليساريو قال لمجموعة الأزمات: "نحتاج إلى حد أدنى من الثقة".
في ضوء ذلك، ينبغي لواشنطن التخلي عن أي أوهام بشأن التوصل إلى اتفاق سريع. وبدلاً من ذلك، عليها اعتماد نهج أكثر صبراً، يركز في الوقت الراهن على تهدئة الأجواء بين الأطراف التي تدهورت علاقاتها. وينبغي للرئيسين المشاركين أن ينظرا في أربعة تدابير لبناء الثقة من شأنها تهيئة مناخ أفضل للمحادثات المقبلة:
- أولاً، الضغط على المغرب والبوليساريو للسماح للأسر الصحراوية المقيمة في مخيمات اللاجئين في الجزائر بزيارة الصحراء الغربية الخاضعة للسيطرة المغربية، والسماح للأسر في الجانب الآخر بالقيام بزيارات مماثلة، بما يؤدي إلى استئناف برنامج عُلّق عام 2014. من شأن هذه الزيارات أن تتيح تعاوناً منتظماً ومنخفض المخاطر بين المغرب والبوليساريو والأمم المتحدة لتلبية حاجة إنسانية ملموسة، وأن تعيد وصل الناس الذين فرّقهم النزاع، وتساعد على الحد من انعدام الثقة وتقليل الكلفة السياسية للانخراط في الحوار.
- ثانياً، حث المغرب على الإفراج عن بعض السجناء الصحراويين الذين يحتجزهم منذ احتجاجات أكديم إزيك عام 2010، أو عنهم جميعاً، أو على الأقل الاستجابة لطلبات السجناء نقلهم إلى سجون أقرب إلى أسرهم.
- ثالثاً، الضغط على البوليساريو لإعلان هدنة من جانب واحد في المقابل. فعلى الرغم من رفض الجبهة العودة إلى وقف إطلاق النار لعام 1991، قد يكون من الممكن إقناعها بتعليق هجماتها مؤقتاً تجنباً لتقويض المحادثات.
- وأخيراً، ترتيب زيارات لمسؤولين أميركيين وأمميين إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف بالجزائر، للقاء قيادة البوليساريو وعقد اجتماعات مفتوحة مع اللاجئين على غرار اللقاءات البلدية، والاستماع إلى هواجسهم.
وينبغي على الرئيسين المشاركين أيضاً مراجعة مقاربتهما الدبلوماسية للخروج من المأزق الحالي. فبدلاً من الضغط على البوليساريو للرد على خطة المغرب للحكم الذاتي، التي ترفضها الجبهة أساساً وحيداً للمفاوضات، ينبغي لهما العودة إلى الصيغة التي اتُّبعت في الجولات الثلاث بواشنطن ومدريد، بما يتيح للأطراف مواصلة تبادل أقل تقييداً لوجهات النظر بشأن خططها المختلفة. ويمكن للرئيسين المشاركين تيسير هذه المناقشات وطرح مقترحات توفيقية بشأن المسائل المحددة التي يجري بحثها، على أن تُترك أصعب الأسئلة المتعلقة بالسيادة إلى المرحلة الأخيرة. بمرور الوقت، قد تتيح هذه المقاربة إجراء مناقشات أكثر عمقاً، إذا استندت إلى مبدأ "لا يُتفق على شيء حتى يُتفق على كل شيء".
والأهم من ذلك أن تتوقف الولايات المتحدة عن الإيحاء بأنها قد تستبدل البوليساريو بممثلين صحراويين آخرين في المحادثات. فقد أوضحت الجزائر أنها لن تشارك في أي حوار لا تكون الجبهة طرفاً فيه. إضافة إلى ذلك، من شبه المؤكد أن أي تسوية تُبرم مع هذه الجماعات البديلة لن تحظى بقبول شعبي، وستؤجج التوترات بين المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا.
على الرغم من ذلك، يمكن للرئيسين المشاركين إنشاء مسار موازٍ ذي طابع استشاري بحت، يجمع صحراويين آخرين، بدءاً من المسؤولين المنتخبين في المغرب، مروراً بحركة صحراويون من أجل السلام، وصولاً إلى جماعات المجتمع المدني من مخيمات تندوف. وقد يتمتع هؤلاء بهامش أكبر من المرونة السياسية لطرح الأفكار مقارنة بالمغرب والبوليساريو. ويمكنهم تقديم مقترحات بشأن قضايا محددة، مثل الانتخابات وإدارة الموارد الطبيعية وإعادة دمج اللاجئين، فضلاً عن المسائل النهائية المتعلقة بالسيادة.
ومن جانبها، ينبغي للبوليساريو أن تنخرط في العملية بجدية أكبر. فبغض النظر عن رأي الجبهة في حملة الضغط التي تشنها إدارة ترامب، فإن كلاً من البوليساريو واللاجئين الصحراويين سيستفيد من احتواء هذه الحملة وتهدئتها. ومن شأن إبداء قدر من المرونة أن يحقق فائدتين: المساعدة على درء هذا التهديد، والاستفادة في الوقت نفسه من الانخراط الأميركي لدفع المسار الدبلوماسي قدماً.
فعلى سبيل المثال، يمكن للبوليساريو تقديم مقترح جديد يستند إلى خطة طرحها عام 2003 وزير الخارجية الأميركي الأسبق، جيمس بيكر، الذي كان يشغل آنذاك منصب المبعوث الأممي. وقد جمعت تلك الخطة بين الحكم الذاتي وتقرير المصير، ونصّت على أن تتمتع الصحراء الغربية بحكم ذاتي واسع النطاق لمدة خمس سنوات، مع سلطة تنفيذية محلية وبرلمان منتخبين، في حين يحتفظ المغرب بالمسؤولية عن الشؤون الخارجية والدفاع. وبعد انتهاء المرحلة الانتقالية، كانت الأمم المتحدة ستنظم استفتاءً لتحديد الوضع النهائي للإقليم. حينذاك، قبلت البوليساريو الخطة، بينما رفضتها الرباط. من شأن تقديم مقترح مقابل كهذا أن يوفر للرئيسين المشاركين وثيقة يمكنهما الاستناد إليها في محاولة تقريب وجهات النظر بين الطرفين.
ينبغي للمغرب بدوره أن يبحث عن سبلٍ لإظهار المرونة. وقد يكون الإفراج عن سجناء أكديم إزيك إحدى الخطوات العملية الممكنة، لكنه يحتاج أيضاً إلى اعتماد نبرة مختلفة في المفاوضات، ومقاومة إغراء التعامل مع الحكم الذاتي باعتباره نتيجة يمكن التعجيل بفرضها. فالتوصل إلى تسوية أكثر استدامة يتطلب من الرباط قبول مسار تفاوضي طويل وشاق، يُعاد فيه بناء الثقة تدريجياً، وتُبحث شروط أي تسوية نهائية بالتفاهم مع البوليساريو، بدلاً من تقديمها بوصفها أمراً واقعاً.
في غضون ذلك، ينبغي لمجلس الأمن الدولي الامتناع عن إنهاء ولاية المينورسو، وضمان أن تحافظ أي محاولة لترشيد ولايتها أو إصلاح البعثة على مكوّنها الخاص بالمراقبة العسكرية، من أجل إدارة مخاطر امتداد القتال إلى الأراضي الجزائرية أو الموريتانية. من المنطقي أن تسعى واشنطن إلى مراجعة تكاليف البعثة ووظائفها، لكن الإصلاحات التي تضعف دورها العسكري هذا بدرجة كبيرة أو تلغيه قد تقضي على إحدى الآليات القليلة المتبقية للحفاظ على الاستقرار في الصحراء الغربية.
وأخيراً، ينبغي لواشنطن الحفاظ على نهج متوازن في دبلوماسيتها الإقليمية، من خلال التواصل المنتظم مع الجزائر والمغرب على حد سواء، كما سعت إلى فعله خلال الجهود الدبلوماسية الحالية، بدلاً من السماح لعلاقاتها الأكثر وثوقاً مع الرباط بتعزيز الانطباع بأنها تنحاز إلى أحد الأطراف في منافسة إقليمية تزداد استقطاباً. ومن شأن الحفاظ على قنوات اتصال موثوقة مع العاصمتين أن يساعد على احتواء التوترات الثنائية، والحد من تشابك نزاع الصحراء الغربية مع التنافسات الأوسع نطاقاً، وصون الحيّز السياسي اللازم للتوصل في نهاية المطاف إلى تسوية تفاوضية.
أما إذا اختار الدبلوماسيون الأميركيون بدلاً من ذلك تكثيف الضغوط على البوليساريو والجهات الداعمة لها أملاً في إرغامها على القبول السريع بإطار المغرب للحكم الذاتي، فمن المرجح أن يكتشفوا، وربما بكلفة باهظة على الأطراف والمنطقة، أن نزاعاً مضى على اندلاعه أكثر من خمسة عقود لا يُرجح أن يُحلّ بالإكراه وحده.